الإقتصادحوارات ومقالات

الزكاة في الحرب: سردية العطاء وحُسن البلاء

محمد عبد الله الشيخ

 

نصف رأي

 

بضربة لازب، قفزت أمانة زكاة الشركات الاتحادية إلى جوهر ما يسعى إليه ويخطط له الدكتور يحيى القمراوي، من فوائد الشراكات والتشبيكات مع المؤسسات ذات الصلة. هكذا جاءت مخرجات السمنار الذي حمل عنوان «الزكاة في زمن الحرب.. تجربة تُروى»، بوصفه شراكة أولى من نوعها بين منتدى اندياح وصحيفة «أول النهار».

 

مثّلت هذه الشراكة نقلة مفاهيمية وخروجًا عن حالة النمطية والتقليدية والتكلّس، وعن الانطباع الظالم الذي ظل يلاحق ديوان الزكاة، لتنقله إلى أضواء التنوير والانفتاح. هكذا تنبئ مخرجات الشراكة الإعلامية، التي مثّلت أكبر اختراق داخل أهم فئة نوعية، باستقطاب المنتدى مجتمعًا نخبويًا من رجال الأعمال وأصحاب الشركات والبنوك، واستنطاقهم لتقديم صورة مشرقة وقلادة شرف للديوان عمومًا، ولزكاة الشركات على وجه الخصوص.

 

كان من المعتاد أن تأتي الإشادات من جهات يدعمها الديوان، لكن أن يشيد دافعو الزكاة بالتعامل الراقي من جانب زكاة الشركات، ويبدوا رضاهم عن أثر الأموال التي يدفعونها وحُسن توظيفها، فهذا هو الحدث الذي ظل ديوان الزكاة يسعى إلى إدراكه على امتداد تاريخه.

 

بل إن العلاقة بين دافعي الزكاة والديوان كانت، في أحيان كثيرة، علاقة باردة وجافة، لا تخلو من تبرّم أحد الطرفين بالآخر. لذلك، شكّلت الورشة سبقًا واختراقًا في جدار أصم، حين تحدّث ممثل شركة أواب للخدمات الأمنية، وممثلة بنك الخرطوم، والأستاذة بلالة البشاري ممثلة مجموعة أصيل، وممثل الشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة، بهذا القدر من الرضا والإحاطة والمتابعة لما يقوم به ديوان الزكاة من دور في المجتمع، وما يقدمه من إسناد للقوات المسلحة، وهو ما اتفقوا عليه جميعًا.

 

ثم جاءت أصوات الصحفيين، وفي مقامهم الأستاذ الهندي عز الدين، والأستاذ دبكراوي، والأستاذ عرفة صالح، والأستاذ أحمد حسين، والأستاذ جمال الكناني، لتشهد جميعها لصالح الديوان، عبر مداخلات ثرية أحاطت بما يقوم به من دور، وما يتطلع إليه من مستقبل.

 

كل ذلك جاء على خلفية الصورة التي قدّمها الدكتور يحيى القمراوي، الأمين العام لديوان الزكاة، مؤكدًا أن الديوان حدّد موقفه من الحرب بالوقوف مع الجيش منذ يومها الأول.

 

وقدّم الأمين العام ما يفيد بأن العلاقة بين دافعي الزكاة والديوان هي علاقة شراكة وأصحاب مصلحة، فيما وصف الشراكة بين الإعلام والديوان بأنها يوم من أيام الزكاة، بما يعكس تطلّع الديوان إلى دور تنويري يقوم على الشفافية، لتوضيح ما التبس على الناس، وإحاطتهم بما ينبغي أن يعلموه عن واقع معقّد وعبء ثقيل تحمّله الديوان.

 

واستعرض القمراوي كيف كانت البدايات في ظل ذلك الواقع المأزوم، وما اتسم به من قلة الخيارات وتعدد الثغرات، وكيف استطاع الديوان جمع شتات العنصر البشري، وكيف قبل العاملون فيه التحدي.

 

وكان لزكاة الشركات فضل التثبيت والاستمرار، عبر إيداع مبلغ 350 مليون جنيه، وكيفية توظيفه بكفاءة بين المصارف الشرعية ودعم الجيش، مع إعطاء حقوق العاملين أولوية في الفصل الأول من الإنفاق، بعدما أصبح بعضهم جزءًا من واقع الفقر الذي فرضته الحرب.

 

إنها عبقرية إدارية اعتمدت روح الفريق، وتكامل الأدوار، وإعمال المشورة، لسد الفراغ الناجم عن فقدان 31% من الإيرادات بخروج ولايات دارفور، و19% بخروج ولايات كردفان، ثم الجزيرة والخرطوم وسنار.

 

نعم، هكذا يصدّق القائد أهله، كما فعل الأمين العام حين أكد أن الديوان قدّم كل الممكن وبعض المستحيل؛ بدءًا من التكايا ومراكز الإيواء، مرورًا بدعم الجرحى والقوات المسلحة، وصولًا إلى تشغيل مستشفى عطبرة ودعمه بـ60 سريرًا لاستيعاب جرحى معركة الكرامة، علاوة على توفير عدد من الأجهزة الطبية.

 

ثم ولج الديوان إلى ملف العودة إلى الديار في المناطق التي تحررت، وانتقل إلى دعم عودة السودانيين من مصر، ويعمل الآن على تقوية جهود عودة اللاجئين من يوغندا، ومن ثم ليبيا.

 

فكيف، ومن أين، للديوان أن يوفر الأموال التي تتسع لكل ذلك؟ إنه التوكل على الله، الذي أنزل بركاته حين كان ديوان الزكاة أول مؤسسة من مؤسسات الدولة تدخل الخرطوم المعزولة بقافلة لدعم التكايا ومراكز الإيواء والجيش، في وقت لم يكن موجودًا فيها سوى الوالي الهمام، وكان محمد يعقوب الغزالي يمثل الديوان.

 

أجزل ديوان الزكاة العطاء، وفاضت خزائنه بالبركة، لينفق 50 مليار جنيه خلال أربعة أيام فقط؛ ففُتحت بيوت كاد الفقر أن يغلقها، وفُكّ أسر سجناء، وتنسموا عبق الحرية، وحُفظت كبرياء رجال تعفّفوا بعدما تبدّل بهم الحال وساء المآل، فوصلهم عطاء الديوان بما حفظ ماء وجوههم.

 

وكان لزكاة الشركات في هذا العطاء القدح المعلّى، كما أبانت وأفصحت الأستاذة لبنى مدني، أمينة الزكاة، في سردية إدارة الأزمة والتدرج في معالجتها والعبور بها بمهارة وحذق.

 

لقد شقّت تلك المرأة طريقها، وكسرت رؤوس المستحيل، وأبطلت مفعول المثل الظالم: «المرة كان فأس ما بتكسر الرأس»، بما قدّمته من نموذج في القيادة والصمود وتجاوز التحديات.

 

كما أبان الأستاذ عادل محمد علي، بوضوح، كيف تجلّى اصطفاف العاملين وصمودهم وتضحياتهم وروح الفريق والولاء المؤسسي، في صورة أدهشت الحضور، فرفعوا قبعات الاحترام للعاملين، الذين جاءت شهادات دافعي الزكاة في حقهم بمثابة شهادات حق وقلادة شرف تزيّن عنق كل زكوي.

 

هذا ما لديّ، والرأي لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي