حوارات ومقالات

الحوار السوداني–السوداني.. مرتكز للاستراتيجية الكبرى والنهضة الإقليمية

 

 

من حروفي

 

 

كتب/ خالد الفكي

 

 

 

 

يأتي الحوار السوداني–السوداني بوصفه أكثر من مسار لإنهاء الحرب أو معالجة تداعياتها؛ فهو ضرورة وطنية واستراتيجية لإعادة بناء الدولة على أسس مستقرة ومستدامة، ووضع السودان على طريق جديد يتجاوز الأزمات المتراكمة نحو الاستقرار والتنمية. ولا يمكن بلوغ ذلك من دون إرادة وطنية جامعة تعيد صياغة العقد الاجتماعي على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وإدارة التنوع باعتباره مصدر قوة لا مدخلاً للصراع.

ويمثل وقف العدائيات وتيسير وصول المساعدات الإنسانية خطوة أساسية لتهيئة المناخ للحوار، لكن المعالجة المستدامة للأزمة تتطلب الذهاب إلى جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار شامل يفضي إلى مخرجات واضحة وقابلة للتنفيذ، تتناول إصلاح مؤسسات الدولة، وترسيخ العلاقة المهنية بين المؤسسات العسكرية والأمنية والنظام السياسي، وإعادة بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج، إلى جانب معالجة آثار الحرب وتحقيق العدالة وجبر الضرر وتعزيز المصالحات المجتمعية.

ولا ينبغي النظر إلى الحوار السوداني–السوداني باعتباره شأناً داخلياً محدوداً بتسوية الأزمة الراهنة، إذ يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لإعادة تعريف موقع السودان في محيطه الإقليمي. فسودان مستقر وموحد، يمتلك قراراً وطنياً مستقلاً ورؤية تنموية واضحة، قادر على توظيف موقعه الجغرافي وموارده البشرية والطبيعية في بناء شراكات اقتصادية وأمنية أوسع، وتعزيز دوره في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وامتداداته الأفريقية.

 

 

 

وتتطلب هذه الرؤية الحفاظ على الملكية الوطنية الكاملة للحوار، بحيث يكون السودانيون أصحاب القرار في تحديد أولوياته ومخرجاته، مع الاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي دون أن يتحول إلى وصاية أو إملاء. فنجاح الحوار لا يقاس فقط بإنهاء الحرب، وإنما بقدرته على تأسيس دولة أكثر تماسكاً، ومؤسسات أكثر فاعلية، واقتصاد أكثر إنتاجاً، ومجتمع أكثر قدرة على إدارة اختلافاته سلمياً.

إن السودان لا يحتاج إلى حوار يطفئ نار الحرب فحسب، بل إلى حوار يضع الأساس لمرحلة جديدة؛ يستعيد فيها قراره الوطني، ويعيد بناء دولته، ويوظف موقعه وإمكاناته في صناعة الاستقرار والتنمية، ليخرج من دائرة التجاذبات إلى موقع أكثر فاعلية في محيطه الإقليمي والقاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي