حوارات ومقالات

موانسة للصحفيين والدراميين في ديوان الزكاة

 

 

من حروفي

 

 

 

كتب/ خالد الفكي

 

ليست أزمة الزكاة في السودان أزمة جباية وأموال فحسب، بل هي أيضاً معركة وعي وثقة. ففي بلد أنهكته الحرب، واتسعت فيه دوائر الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل، لم يعد كافياً أن تصل أموال الزكاة إلى مستحقيها؛ بل أصبح ضرورياً أن يعرف المجتمع كيف جُمعت، وأين ذهبت، ومن استفاد منها، وما الأثر الذي تركته في حياة الناس.

 

تكتسب موانسة ديوان الزكاة مع الصحفيين والدراميين أهميتها، لا باعتبارها مناسبة للعلاقات العامة، وإنما فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة والمجتمع، ونقل الإعلام من مقاعد المتابعة إلى ميدان الشراكة في صناعة الوعي وتوثيق العطاء.

 

أخطر ما كشفه اللقاء هو ما أُشير إليه بشأن دراسة أظهرت أن فجوة المعرفة بأحكام الزكاة في السودان تتجاوز 50%. وإذا صحت هذه النتيجة، فإنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز ضعف التوعية إلى مراجعة الخطاب الزكوي نفسه: هل تصل الرسالة إلى الناس بلغتهم وأسئلتهم واحتياجاتهم؟

 

إن تبسيط أحكام الزكاة، وشرح الأموال الخاضعة لها، وآليات احتسابها ومصارفها الشرعية، ليس ترفاً إعلامياً، بل ضرورة لتحويل الالتزام من إجراء مالي إلى وعي بالمسؤولية الاجتماعية. وهنا تستطيع الدراما أن تفعل ما تعجز عنه البيانات الجامدة؛ أن تنقل الفكرة من النص إلى الوجدان، ومن المعلومة إلى السلوك.

 

إن توجيه 65.7% من حصيلة الجباية إلى المصارف الزكوية، وفق ما طُرح في اللقاء، يضع أمام الديوان مسؤولية مضاعفة لإثبات أن الأرقام تعني أثراً حقيقياً في حياة المستحقين. كما أن التعاون مع 26 مستشفى ومركزاً لتوفير الخدمات العلاجية، في ظل حالات بلغت تكاليف علاج بعضها ما بين 50 و60 مليون جنيه، يكشف حجم التحدي الذي تواجهه برامج التكافل في اقتصاد أنهكته الحرب.

 

لكن الأرقام، مهما بدت كبيرة، لا تصنع الثقة وحدها؛ فالذي يصنعها هو وضوح المعايير، وعدالة التوزيع، وكفاءة الاستجابة، وإتاحة المعلومات، والقدرة على الإجابة عن الأسئلة الصعبة. فالرقابة ليست خصماً من صورة المؤسسة، بل ضمانة لاستدامة الثقة بها.

 

إن المطلوب من الشراكة بين الديوان والإعلام يتجاوز نشر الأخبار وتغطية اللقاءات إلى بناء برامج مستمرة تقيس أثر التوعية، وتوثق وصول الدعم، وتستمع إلى المستفيدين، وتكشف أوجه القصور بقدر ما تبرز النجاحات. كما أن حماية استقلالية العمل الصحفي وإتاحة البيانات الدقيقة شرطان أساسيان لنجاح هذه الشراكة.

 

في زمن الحرب، يصبح توثيق جهود العاملين الذين واصلوا أداء مهامهم في المناطق الخطرة جزءاً من حفظ الذاكرة الوطنية. لكن التوثيق الحقيقي لا يكتمل بالاحتفاء بالعطاء وحده، بل بربطه بالنتائج التي يلمسها المواطن.

 

وفي يقيني أن الزكاة لا تحتاج إلى صوت أعلى بقدر ما تحتاج إلى رسالة أوضح، وبيانات أكثر شفافية، وأثر يمكن قياسه. وحين يلتقي المال بالمسؤولية، والإعلام بالمصداقية، والدراما بوجدان الناس، تتحول الشراكة من موانسة عابرة إلى قوة مجتمعية تعزز الوعي، وتصون الثقة، وتمنح العطاء معناه الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي