بانوراما تربوية.. تعثّر بداية العام الدراسي!

وهج اليراع
محمد هارون عمر
يبدأ العام الدراسي يوم الأحد القادم، 18 أكتوبر 2026م، بعد تأجيل عقلاني لأسباب موضوعية.
لقد أحدثت الحرب خللًا بنيويًا في العام الدراسي بولاية الخرطوم، إذ توقفت الدراسة لثلاث سنوات. والحقيقة أن ثمة مشكلات تتمثل في الكتاب المدرسي، والإغلاق الطويل الذي أثّر في المباني، فضلًا عن اهتزاز الثقة في المدارس الحكومية، بسبب نجاحات مدارس الدكتور الكودة الصاروخية.
وقد سرى وهم ظني يقول: «الكودة ولا بلاش»، أي إن الكودة يتميز تميزًا مطلقًا على التعليم الحكومي والخاص. لكن الكودة لا يمتلك عصا موسى، وإنما استغل جملة من العوامل التي وظّفها لتحقيق ذلك الانطلاق التربوي.
هناك نجاحات في التعليم الحكومي والخاص أيضًا، فثمة مدارس عريقة وناجحة في القطاعين، درس فيها علماء السودان وباحثوه. والدكتور الكودة نفسه درس وتخرج في ذلك النظام التعليمي التليد العريق.
وما انفكت تلك المدارس تعمل بمستوى رائع وراقٍ في الخرطوم. فالمدارس الخاصة، مثل مدارس الشارقة وعجبنا والكناتي، لديها خبرة وتفوق وتميز منذ سنوات خلت.
يجب ألا يفقد التعليم الحكومي ريادته، وألا يفقد الناس الأمل والثقة فيه؛ فهو الساس والأساس والرأس. وما فتئ الأمل متوهجًا، ويمكن أن يزهر ويثمر وينضج، لكن الأمر يحتاج إلى جهد، خاصة فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية الرثة والمهلهلة للمعلمين.
لقد غدت مهنة التعليم طاردة ومنفّرة ومفقرة، ولا حل سوى إعادة الاعتبار إلى التعليم الحكومي بتحسين أوضاع المعلمين، وتأهيل البيئة المدرسية، وتوفير الكتب المدرسية والإجلاس.
وقد اعتمدت معظم نجاحات الكودة على المتفوقين من المدارس الحكومية، إذ استقطبهم الكودة، وأهّلهم بجرعات علمية وعملية، وأولاهم عناية خاصة، مستغلًا مواهبهم الفطرية. فكان النجاح الباهر والظاهر الذي سارت به الركبان.
وبالطبع، فإن تفوق تلك الشريحة في امتحانات الشهادة الثانوية يُنسب إلى صاحب المدارس بنسبة 50%، مع أن ذلك قد يغفل دور الكودة، كما أن الولاية ذُكرت ولم تُذكر المدرسة. وبالطبع، فإن وجود خمسين طالبًا ضمن المائة الأوائل ليس بالأمر السهل.
إذن، لا حل سوى إعادة البريق والوهج إلى التعليم الحكومي، بالاهتمام بالمعلم والارتقاء به ماديًا ومعنويًا. وسيسترد التعليم عافيته قريبًا إذا زالت المعوقات المتعلقة بإنصاف المعلم ومنحه حقوقه كاملة، أسوة ببقية الفئات.
ولا يزال راتب المعلم في الدرجة التاسعة يبلغ 80 ألف جنيه، أي ما يعادل ثمانية دولارات، بينما يبلغ راتب محافظ بنك السودان مائة مليار جنيه شهريًا. فمالكُم كيف تحكمون، أيها الحاكمون الصامتون السادرون؟!
وسيتعرض التعليم الخاص لهزة ارتدادية بسبب الوضع الاقتصادي المتردي والمنهار، وسيواجه التعليم الحكومي حشودًا من التلاميذ كخلايا النحل، لا قِبَل له بها.
إن الأمر يحتاج إلى عصف ذهني وتربوي واقتصادي، حتى تتبدد هذه الغيمة المدلهمة وتنجلي!

