حوارات ومقالات

التسول في حواضر المدن السودانية.. بين الحاجة الإنسانية وضرورة التنظيم

 

 

 

بقلم: د. زكي محمد البشير

 

أصبحت ظاهرة التسول في عدد من حواضر المدن السودانية مشهداً يومياً يلفت الانتباه، عند الأسواق والتقاطعات المرورية والمواقف والمستشفيات ودور العبادة وغيرها من الأماكن العامة. ولم تعد القضية مجرد حالات فردية لأشخاص دفعتهم الحاجة إلى طلب العون، بل باتت ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة والمعالجة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المعقدة التي تمر بها البلاد.

 

ولا يمكن تناول التسول بعيداً عن الواقع السوداني الراهن؛ فالحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتفكك بعض شبكات الحماية الاجتماعية كلها عوامل قد تدفع بعض الأسر والأفراد إلى أوضاع شديدة الهشاشة. ومن ثم فإن التعامل مع الظاهرة ينبغي ألا يبدأ بإدانة المحتاج، وإنما بفهم الأسباب التي أوصلته إلى الشارع.

حين تتحول الحاجة إلى ظاهرة

هناك فرق ينبغي إدراكه بين الفقر والتسول. فليس كل فقير متسولاً، وليس كل من يمارس التسول بالضرورة عاجزاً عن العمل أو فاقداً لأي مصدر آخر للعيش. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحالات الإنسانية الحقيقية وبين التسول الذي يتحول إلى ممارسة منتظمة أو استغلال منظم للفئات الأضعف.

وتزداد خطورة الأمر عندما يُستخدم الأطفال أو كبار السن أو الأشخاص ذوو الإعاقة وسيلة لاستدرار عطف المارة. فالطفل الموجود لساعات طويلة في الشارع لا يخسر فرصة التعليم فحسب، وإنما قد يتعرض كذلك للإهمال والاستغلال والعنف والحوادث ومختلف أشكال الانحراف والاستغلال.

وهنا تتحول القضية من مسألة مساعدة فردية إلى قضية حماية اجتماعية وحقوق طفل وأمن مجتمعي.

مخاطر تتجاوز صورة الشارع

إن انتشار التسول بصورة غير منظمة يحمل جملة من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية والصحية. فالبقاء في الطرق والتقاطعات يعرض المتسولين، وخاصة الأطفال، لحوادث المرور والحرارة والأمراض والعنف. كما أن الاعتماد المستمر على ما يقدمه المارة قد يكرس الاتكالية لدى بعض الحالات القادرة على التأهيل والعمل.

وقد تخلق البيئات التي ينتشر فيها التسول المنظم فرصاً للاستغلال، بحيث يستفيد آخرون من الأطفال أو النساء أو الفئات الهشة. ولهذا فإن أي معالجة جادة ينبغي أن تبحث عمن يقف خلف الحالة، وأين تذهب الأموال، وهل الشخص يعمل بمفرده أم يتعرض للاستغلال من طرف آخر.

ومن المخاطر المهمة أيضاً أن التوسع في إعطاء الأموال بصورة عشوائية في الشوارع قد يجعل الدعم يصل إلى الحالات الأكثر ظهوراً وليس بالضرورة إلى الأسر الأشد احتياجاً. ومن هنا تأتي أهمية بناء قنوات موثوقة للزكاة والصدقات والمساعدات الاجتماعية تحفظ كرامة المحتاج وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.

لا تكفي الحملات الأمنية

قد يكون إنفاذ القانون ضرورياً في مواجهة الاستغلال المنظم للأطفال أو الإكراه أو الممارسات التي تعرض حياة الناس للخطر، لكن معالجة التسول باعتباره مشكلة أمنية فقط لن تقضي على جذوره.

فإذا أُبعد المتسول اليوم من أحد التقاطعات، بينما بقيت أسباب الفقر أو النزوح أو البطالة أو التفكك الأسري قائمة، فمن المرجح أن تعود المشكلة في مكان آخر وبصورة مختلفة.

المطلوب لذلك هو الانتقال من مكافحة المتسول إلى مكافحة أسباب التسول.

وهذه النقلة الفكرية مهمة؛ لأنها تحفظ كرامة الإنسان وفي الوقت نفسه تحمي المجتمع من تحول التسول إلى نشاط دائم أو منظم.

الحل يبدأ بالحصر والتصنيف

من الصعب معالجة ظاهرة لا نعرف حجمها وخصائصها. ولذلك ينبغي أن تبدأ السلطات المحلية والجهات الاجتماعية بحصر ميداني مدروس للحالات الموجودة في الأسواق والطرقات والتقاطعات، ثم تصنيفها وفق أسبابها واحتياجاتها.

فهناك طفل يحتاج إلى الحماية وإعادته إلى التعليم، وشخص قادر على العمل يحتاج إلى التدريب وفرصة لكسب الرزق، ومسن يحتاج إلى رعاية اجتماعية، وشخص ذو إعاقة يحتاج إلى خدمات وحماية مناسبة، وأسرة نازحة قد تحتاج إلى مساعدة مباشرة ومستدامة.

لكل حالة إذن علاج مختلف، ولا ينبغي وضع الجميع في سلة واحدة.

نحو برنامج وطني للحد من التسول

تحتاج المدن السودانية إلى برنامج متكامل تشارك فيه وزارات ومؤسسات الرعاية والتنمية الاجتماعية والسلطات المحلية والشرطة والجهات الصحية والتعليمية وديوان الزكاة والمنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

وينبغي أن يقوم البرنامج على عدة مسارات مترابطة: الحصر والتسجيل، الحماية الاجتماعية، حماية الأطفال، إعادة الدمج في التعليم، التدريب المهني، دعم فرص كسب العيش، الرعاية الصحية والنفسية عند الحاجة، ومكافحة شبكات الاستغلال المنظم.

كما يمكن إنشاء مراكز استقبال وتأهيل تقدم خدمات اجتماعية حقيقية بدلاً من أن تكون مجرد أماكن لجمع المتسولين وإبعادهم مؤقتاً عن الشوارع.

وقد أشرت في مقال سابق لأن ينشأ ديوان مكافحة التسول ويكون من مختصين حسب جهات الاختصاص.

ومن المهم كذلك توفير آلية واضحة يستطيع المواطن من خلالها توجيه تبرعاته إلى جهات موثوقة. فالمجتمع السوداني مجتمع عُرف بالتكافل والإحسان، والمطلوب ليس إضعاف هذه القيمة النبيلة، وإنما تنظيمها بحيث تتحول الصدقة من استجابة لحظية في الطريق إلى وسيلة مستدامة تساعد الإنسان على الخروج من دائرة الحاجة.

المسؤولية مشتركة

الدولة مسؤولة عن السياسات والحماية الاجتماعية وإنفاذ القانون، والمجتمع مسؤول عن التكافل الواعي، والمنظمات مسؤولة عن البرامج الفاعلة، والقطاع الخاص يستطيع المساهمة في التدريب والتشغيل ودعم المشروعات الصغيرة.

أما وسائل الإعلام فعليها مسؤولية إضافية: ألا تقدم المتسولين باعتبارهم مادة للسخرية أو التشهير، وألا تحول معاناتهم إلى مشاهد تستدر التعاطف فقط، وإنما تناقش جذور الظاهرة وتراقب أداء المؤسسات وتدعو إلى حلول تحفظ الكرامة الإنسانية.

أخيراً…

إن شوارع المدن ليست المكان الطبيعي لطفل يبحث عن مستقبله، ولا لمسن أنهكه العمر، ولا لامرأة دفعتها الظروف إلى مد يدها للآخرين، ولا لشاب قادر على الإنتاج إذا أتيحت له فرصة مناسبة.

ومكافحة التسول الحقيقية لا تعني مطاردة الفقراء، وإنما تعني محاربة الفقر والاستغلال والإهمال الذي يدفع الإنسان إلى الشارع.

نريد مدناً سودانية منظمة وآمنة، لكننا نريدها أيضاً رحيمة وعادلة. فالمدينة التي تخلو شوارعها من المتسولين بينما يظل المحتاجون خلف الجدران بلا غذاء أو علاج أو عمل لم تحل المشكلة، وإنما أخفتها عن الأنظار.

النجاح الحقيقي هو أن نصل إلى يوم لا يحتاج فيه الإنسان إلى مد يده في الطريق؛ لأن هناك دولة تحميه، ومجتمعاً يسنده، ومؤسسات تعرفه وتصل إليه، وفرصة تحفظ له كرامته.

فمكافحة التسول ليست حرباً على المحتاجين، وإنما معركة من أجل الكرامة الإنسانية، وحماية الطفولة، وتعزيز الأمن الاجتماعي، وبناء مدن سودانية أكثر أمناً ورحمةً وتماسكاً.

هل في الدولة من يقرأ ويلتقط قفاذ المبادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي