رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن

كتب/ سعد محمد عبدالله
لقد جاء البيان الصادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية في توقيت دقيق، تتكثف فيه التحركات الدولية لإنهاء الحرب، بالتزامن مع مساعٍ وطنية وإقليمية مبذولة باتجاه فتح مسار سياسي، وتبدو الرسالة السودانية واضحة جدًا في ربط السلام بسيادة الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها ومؤسساتها، باعتبار أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتكريس واقع جديد تفرضه القوة المسلحة المعادية للدولة، وقد شهدت نيويورك وعواصم عالمية أخرى تحركات دبلوماسية حثيثة بشأن البحث عن سبل الوصول إلى سلام عادل ومستدام يصنعه السودانيون من خلال حوار سياسي شامل؛ وبذلك، فإن جوهر الموقف السوداني، كما يظهر في البيان، لا يقوم على رفض مبدأ السلام، وإنما على تحديد شروطه وترتيباته السياسية والأمنية؛ فالسلام المطلوب، وفق هذه الرؤية، ينبغي أن يحافظ على وحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها الشرعية، ويمنع إنشاء مراكز حكم موازية، ويؤسس لعملية سياسية لا تمنح الإعتراف السياسي لمجرد السيطرة العسكرية على بعض الرقعة الجغرافية من دولة كبيرة ومترامية الأطراف؛ ومن هنا، تتجاوز الرسالة حدود مخاطبة الخرطوم لواشنطن، لتوجه إلى المجتمع الدولي دعوة إلى بناء مسار تفاوضي يعالج جذور الحرب، ويحمي مؤسسات الدولة، ويضع وحدة السودان وسيادته في صميم أي تسوية سياسية مقبلة، وأعتقد أن قنوات الحوار مفتوحة، وهناك طرق كثيرة لإيصال صوت السودان إلى آذان قادة العالم، إن كان ذلك عبر إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو من خلال منابر دبلوماسية أخرى، وستظل المبادرات الخارجية بحاجة إلى تفاهم سوداني واسع حول أهدافها وآليات تنفيذها، حتى لا تتحول أطروحة الهدنة المؤقتة إلى إستراحة عسكرية تُستخدم ضد الدولة لاحقًا.
تتصل القضية الثانية بمفهوم الشرعية وحصرية السلاح، وهما عنصران أساسيان في التصور الحكومي لإنهاء الحرب وبناء سلام مستدام؛ فالبيان يربط الإستقرار بإنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، وبأن تكون أدوات القوة خاضعة للسلطة الوطنية والقانون، وهذه من المسائل المنطقية التي لا لبس فيها، ويتقاطع هذا الطرح مع نقاط مهمة وردت في بيان مشترك صدر عن وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في نيويورك، والذي أكد دعم سيادة السودان ووحدته وإستقلاله وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض الكيانات الموازية، إلى جانب تقديم دعوة صريحة لوقف تدفق الأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى البلاد، وفي المقابل، فإن معالجة الأزمة الراهنة لا يمكن أن تقتصر على البعد العسكري، لأن التسوية المستدامة تحتاج إلى مسار سياسي شامل يشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم، وإلى ترتيبات أمنية ذات قواعد واضحة وضمانات سياسية ومعالجة ناجعة لجذور الصراع؛ كما أن قضايا التدخل الخارجي وتمويل وتسليح مليشيا الدعم السريع الإرهابية مسألة لا يمكن القفز فوقها، لأنها تمثل إنتهاكات خطيرة للقانون السوداني والقانون الدولي الإنساني، وهذا ما شرحه مقال الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، الذي نشرته مؤخرًا صحيفة «فورين بوليسي» الأمريكية؛ لذلك، فإن وقف القتال ينبغي أن يتزامن مع التصدي لتوجهات حكومات الإستعمار المعتلة، وتجفيف مصادر السلاح والتمويل والتدخل الخارجي في شؤون السودان، وإطلاق عملية سياسية وطنية معتدلة وقادرة على بناء الثقة، وتوفير ضمانات حقيقية تمنع تكرار تجارب عودة الحرب بعد أي إتفاق سلام، وتضع أسسًا عملية لبناء أعمدة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، ويظل نجاح المسار مرتبطًا بقدرة السودانيين على تقديم تنازلات متبادلة، وتحديد المسؤوليات، وربط الترتيبات الأمنية بشروط واضحة، بما يمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع داخل الدولة في المستقبل.
أما النقطة الثالثة، فتتمثل في إبداء الحكومة السودانية إستعدادها للتعاطي مع واشنطن وسائر الشركاء الإقليميين والدوليين عبر الحوار، وهو إتجاه يمكن أن يفتح مساحة للدبلوماسية بدلًا من القطيعة وتضاد المواقف، وقد شهدنا تحركات متعددة، من بينها لقاء جمع في نيويورك وزير الخارجية السوداني ووزير الخارجية المصري والمستشار الأمريكي مسعد بولس، بغية بحث جهود إنهاء الحرب والوصول إلى تسوية سياسية مستدامة؛ كما نفذت الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة إيقاد، إتصالات ومشاورات مع الأطراف السودانية، بهدف دعم مسار سياسي سوداني شامل، ويضع ذلك الدبلوماسية السودانية أمام مهمة تتجاوز الدفاع عن مبدأ السيادة إلى تقديم تصور متكامل لإنهاء الحرب وإدارة المرحلة المقبلة؛ فهذا التصور يتضمن تحديد ترتيبات إنتقالية واضحة تضمن مشاركة سياسية واسعة، ووضع أسس لإعادة الإعمار وتحقيق التنمية المتوازنة، ومعالجة أوضاع النازحين واللاجئين، وإعادة بناء المؤسسات، وإستتباب تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين؛ كما أن التواصل مع واشنطن لا يعني بالضرورة قبول كل المقترحات أو التنازل عن قضايا الشعب السوداني، تمامًا كما أن الإختلاف معها لا يستلزم القطيعة، ولكن المؤكد في منطق السياسة أن هناك دائمًا مساحة للحوار الموضوعي؛ فالمصالح الوطنية يمكن الدفاع عنها عبر التفاوض وتعدد القنوات، وتقديم المبادرات، وبناء تفاهمات إقليمية ودولية متوازنة تساعد حكومة السودان على إدارة علاقاتها الخارجية من موقع يحفظ إستقلال قرارها الوطني ويخدم هدف إنهاء الحرب وتحقيق الإستقرار، وتعدد الشركاء في العالم يتيح للسودان فرصًا جيدة لتنويع خياراته، وتجنب الإرتهان لمسار واحد، شريطة أن تبقى الأولوية للمصالح الوطنية العليا.
المحصلة، وضع بيان وزارة الخارجية والتعاون الدولي ثلاث قضايا أساسية ومترابطة في صميم الموقف السوداني: السيادة الوطنية، وحصرية السلاح، ورفض تحويل الإحتلال العسكري للمليشيات المسلحة في بعض المناطق إلى شرعية سياسية مؤقتة أو دائمة، مع التأكيد على أن السلام يظل الغاية الإستراتيجية، وتأتي هذه الرسالة في وقت تكثفت فيه التحركات الدولية والإقليمية من أجل مقترح هدنة وفتح مسار سياسي، غير أن أهمية الموقف السوداني ستتحدد عمليًا بمدى القدرة على تحويل المبادئ المعلنة إلى مسار تفاوضي قابل للتنفيذ، يوقف الحرب ويحمي المدنيين ويعالج مستقبل الدولة ومؤسساتها وترتيباتها الأمنية والإجتماعية، وهذا ما سعت حكومة السودان إلى تحقيقه منذ بداية الأزمة، ولكن في المقابل، فإن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع الأزمة من منظور أوسع، يشمل وقف تدفق السلاح والدعم الخارجي، بما في ذلك محاسبة كافة ممولي مليشيا الدعم السريع، وتشجيع حوار سوداني شامل، وإحترام وحدة البلاد ومؤسساتها، مع ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين؛ فالسلام يحتاج إلى بيئة ملائمة تقود نحو حماية الدولة، والسيادة تحتاج إلى مؤسسات مستقرة وقادرة على تطبيق القانون، وبين هذين المسارين، تستطيع الدبلوماسية السودانية أن تتعامل بفاعلية مع الضغوط الدولية باعتبارها مجالًا للتفاوض وتبادل الآراء والمصالح، لا سببًا للتصعيد أو القطيعة، والمطلوب في النهاية تسوية تحفظ وحدة السودان، وتفتح الطريق أمام عملية سياسية جامعة، وتضع حدًا للحرب والتدخلات الأجنبية، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الإستقرار والمواطنة وسيادة القانون، وهذا يتطلب إرساء إرادة سياسية سودانية حرة، وتنسيقًا مؤسسيًا، وقدرة تفاوضية تحفظ الثوابت الوطنية.

