سراج الدين مصطفى يكتب: الكابلى .. يا ذوق يا فهم !!

نقر الأصابع ..
كتب/ سراج الدين مصطفى
لا اعرف كم كتب الآخرون عن الفنان عبدالكريم الكابلي ولا أنا شخصيا اعرف عدد المقالات التى كتبتها عنه توثيقا وتحليلا وتأملا فى أغنياته وسيرته ومسيرته وفى كل مرة أجد أننى لم أتطرق إلى جوانب أخرى فى سيرة ومسيرة هذا الفنان الملهم والمعلم لأن تجربة الكابلي أكبر من أن تستوعبها الكتابة من زاوية واحدة أو تحصرها أغنية أو مرحلة أو موقف فنى بعينه
ومن الظلم بتقديري أن نحصر تجربة بهذه الطلاقة فى حدود صوت المغني فالكابلي مشارب كثيرة ومنابع متعددة وهو فنان جمع بين الغناء والمعرفة والثقافة والشعر والبحث والتأمل ولذلك فإن الحديث عنه لا ينبغي أن يتوقف عند جمال صوته أو قيمة أغنياته وإنما يتجاوز ذلك إلى شخصيته ومشروعه ومفهومه للفن ودوره فى تشكيل الوعي الجمالي والثقافي لدى أجيال كاملة
فالكابلي فنان أطلعه الله على أسرار المعرفة والعلوم وامتلك قدرة نادرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة فنية ولذلك يمكن توصيف تجربته بأنها استعادة لتعريف مفهوم الفنان بمعناه الأشمل وحين أقول استعادة تعريف الفنان فلأننا نعيش زمنا تاه فيه تعريف من هو الفنان وأصبح حضور الإنسان فى الوسائط الحديثة أحيانا كافيا لمنحه هذه الصفة دون مشروع أو معرفة أو تجربة أو مسؤولية تجاه المجتمع
وهذه الأزمة ليست وليدة اليوم فقد سبق أن مر المجتمع بتحولات كبيرة فى نظرته إلى الفنان واستطاع عميد الفن أحمد المصطفى أن ينقل مفهوم الفنان من كلمة (صايع) إلى كلمة (استاذ) ولم يكن ذلك التحول مجرد تغيير فى المصطلحات وإنما كان نتيجة طبيعية لأخلاقه الشخصية وقيمة ما قدمه من فن راق وصورته الاجتماعية التى جعلت الفنان يحظى بمكانة تليق بدوره الثقافي والإنساني
وفى ذات الاتجاه مشت الأجيال التالية حتى جاءت صورة أكثر وضوحا عند عبدالكريم الكابلي الذى لم يقدم نفسه باعتباره مغنيا فقط وإنما رسخ نموذجا للفنان المثقف الذى يعرف قيمة الكلمة ويحترم الشعر ويبحث فى التراث ويتعامل مع الفن باعتباره مسؤولية معرفية وجمالية وهذا ما يجعل تجربته قابلة للقراءة من زوايا متعددة ويمنحها قدرة على تجاوز زمنها والبقاء حاضرة فى الذاكرة
وفى ظل حالة التوهان الحالية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التى فرضت واقعا فنيا جديدا أصبحت الحاجة أكبر إلى إعادة النظر فى مفهوم الفنان نفسه لأن الانتشار لم يعد دليلا على القيمة والظهور لم يعد بالضرورة تعبيرا عن الموهبة كما أن غياب المعايير المهنية يجعل المشهد مفتوحا أمام نماذج مختلفة دون وجود ميزان واضح يفرق بين الفنان وصاحب الشهرة أو بين التجربة الحقيقية والحضور العابر
وفى ظل عدم فاعلية الرقابة المهنية المتمثلة فى مجلس المهن الموسيقية وعدم قدرته على فرض هيبة القانون فإن المشهد يحتاج إلى معالجة أعمق من مجرد المنع أو التنظيم لأن القضية فى جوهرها قضية ذوق ومعرفة وتربية فنية ولذلك فإن أفضل بداية يمكن أن تكون من المدرسة حيث نعيد تقديم النماذج الكبرى للأجيال الجديدة ونمنحها فرصة التعرف على الفنان من خلال سيرته ومشروعه وقيمته
لهذا أرى أن سيرة عبدالكريم الكابلي تستحق أن تدخل المناهج الدراسية بصورة مدروسة منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة ليس باعتباره مغنيا مشهورا فقط وإنما باعتباره نموذجا للفنان الشامل الذى جمع بين المعرفة والثقافة والشعر والموسيقى والالتزام الأخلاقي فدراسة تجربته يمكن أن تمنح الأجيال الجديدة مدخلا لفهم الفن الحقيقي وتعيد تعريف الفنان فى الوعي العام وتفتح الطريق نحو ذوق أكثر نضجا وفهم أكثر عمقا
وعندما نعلم الأجيال الجديدة سيرة الكابلي فإننا لا نعلمها تاريخ فنان واحد وإنما نضع أمامها نموذجا لمعنى أن يكون الإنسان فنانا ومثقفا وصاحب رسالة فالفنان الذى يستحق أن يبقى لا تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي ولا تصنعه كثافة الظهور وإنما تصنعه المعرفة والموهبة والأخلاق وما يتركه من أثر ولهذا فإن عبدالكريم الكابلي ليس مجرد ذاكرة فنية وإنما درس مفتوح فى معنى الفنان.

