محمد أحمد عشة.. رحل الرجل وخلّد الفضل والأثر

نصف رأي
محمد عبد الله الشيخ
كان صباح التاسع عشر من أغسطس صباحًا على غير صباحات كوستي وبحر أبيض، بحيويتها وأنفاس خريفها الباردة. كان لأنفاس الصباح زفرات وزمهرير، وتثاقلت الشمس عن شروقها، خشية يوم تصبح فيه كوستي على الفجيعة برحيلٍ مرّ لأحد أبنائها النجباء وفرسانها المغاوير، وكأنها لم تُفجع من قبل، ولم تعرف الموت بحجم المصيبة ومعناها، وكأنها لم تُبتلَ ولم يُمتحن صبرها وإيمان أهلها من قبل، ولم تعترِها الآجال التي خُطّت بكتاب موقوت.
فكان النبأ الذي تحاشى إعلانه والإبلاغ به كل من علمه، خوفًا من الشيطنة والتطيّر. فأي لسان ينطق بها؟ وأي أذن تطيق سماعها؟
«مات عشة».. هكذا جاء بلاغ الفاجعة ونبأ الساعة اليقين، الذي استعجمت عنه فصاحة اللسان، واستعصى عليها الإعلان والبيان. وارتجّت له أرجاء كوستي، ومكاتب الزكاة، وميادين التعبئة والاستنفار في معركة الكرامة.
لم يكن الراحل محمد أحمد عبد الله عشة رجلًا يخص مدينة كوستي وحدها، ولا زملاءه في ديوان الزكاة، ولا لجنة الاستنفار والمقاومة الشعبية، بل كان رجلًا في ملء المثال، لم تستبدّ به الأحوال؛ رجلًا بسعة هذا البلاد واتساعها لكل صفات النبل والخير والقيم الفاضلة.
كان قلبًا امتلأ بقيم الخير والحق وجلائل الأعمال والمواقف الخالدة. ومنذ بداية مشواره الوظيفي، عند مدخل الخدمة كأحد أبكار ديوان الزكاة، لم يأتِ كموظف مبتدئ، بل جاء بفكر وهمة قيادية، ومضى متدرجًا متنقلًا بين الولايات، إلى أن صعد إلى كابينة القيادة أمينًا ولائيًا، بعنفوان الشباب وخبرات الشيوخ.
كان ملء كل منصب وموقع حلّ به؛ كانت له بصمة وأثر، وعبّد الطرق وجعلها سالكة ممهّدة بين كل الولايات التي تنقّل بينها، بالعطاء والبذل ونقل الخبرات.
كان مع مرؤوسيه أخًا وصديقًا وقائدًا، وللفقراء والمساكين أبًا ونصيرًا.
كانت العدالة طريقه؛ فلم يُنسب إليه ميلٌ إلى ظلم، ولا تزلفٌ لمسؤول، بل كان الاعتدال معياره وديدنه. وكان ضد من يفتقر إلى الحس الإنساني والحسن الذي تحتاجه شخصية موظف الزكاة والعامل عليها، وبذات القدر كان مبدئيًا ضد السفسطائية والتبريرية.
هكذا كان مبدئيًا؛ لم تكن أفكاره في جزر معزولة عن أعماله، بل كانت أبنية متراصة ومتداخلة، تمثل بوصلة خياراته واختياراته.
كان، رحمه الله، أسطورة في الصبر على المبادئ. وهكذا رسمت مكونات نفسه معالم طريقه: الثقة في النفس، وحسن الظن بالآخر، وعدم الانطباعية في التعاطي مع الناس، وعدم الركون إلى الثقافة السمعية والقيل والقال.
وكان هذا سر علاقاته وصداقاته الممتدة، العابرة لحدود الوظيفة، إلى شخصية المصلح المتصالح مع نفسه والآخر. فامتدت وتمددت علاقاته مع رجال وإعلاميين، لم يجمعهم ولم يجتمعوا إلا عليه، فوظّف طاقاتهم وإبداعاتهم لمصلحة الزكاة، وجعل منهم مناصرين وأصدقاء للشعيرة.
وبهذه العقلية الواثقة واجه عنفوان وهياج الثوار الذين أحرقوا أمانة الزكاة في ولاية النيل الأبيض، ليعودوا مشاركين في افتتاحها بعد أن أعاد إعمارها، وافتتحها ببرنامج كبير للمصارف، لبناء العلاقة بينهم وبين ديوان الزكاة على أسس الشفافية والوضوح، بعد أن أزال المرحوم عشة كل الغشاوة والنظرة المجرّمة والحنق والحقد على الديوان.
ومضى هكذا متنقلًا بين الولاية الشمالية والأمانة العامة، حيث أنهى مسيرة عملية بازخة، زاخرة بالبذل والعطاء، وترجّل إلى المعاش وهو بكامل لياقته وفي قمة عطائه.
ولم يكن المعاش بالنسبة له إلا انتقالًا إلى عطاء في ميدان العمل العام، لينخرط في صفوف معركة الكرامة والمقاومة الشعبية، إلى أن داهمه المرض اللعين، فغادر إلى الهند مستشفيًا.
واستقبلته كوستي بفرح وحفاوة، وقبلها استقبله زملاؤه وأصدقاؤه في كل محطة مرّ بها، حتى عاوده المرض مرة أخرى، فكان أجل الله الذي لا يؤخّر، وحان أوان الارتحال، وجاء الأجل بالكتاب الموقوت.
انتهت رحلة من العطاء، لكن آثارها تبقى، ويثبت أجرها ونفعها، أسوة وقدوة لمن يأتي من بعده.
الموت لا والدًا يبقي ولا ولدًا
ولا صغيرًا ولا شيخًا ولا أحدًا
كان النبي فلم يخلد لأمته
ولو خُلّد الله حيًا بعده أحدًا
للموت فينا سهام غير مخطئة
من فاته اليوم سهم لم يفته غدًا
هذا ما لدي، والرأي لكم.

