مجلس المهن الطبية والصحية.. نوافذ المهاجر وصناعة الإنجاز في قلب الأزمة – 3

مفتاح المدى: حكاوي من زمن الحرب
بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد
في محطاتنا السابقة من هذه السلسلة، تناولنا «عقدة التطبيقات وبيروقراطية المعاملات»، ثم ارتقينا بالطرح نحو مفهوم «المغترب كشريك في النهضة» بوصفه ردّاً مستحقاً لنزيف غربته وحصاد عمره. واليوم، نضع النقاط فوق الحروف لنوثّق تجربة عملية تجاوزت حدود التنظير إلى فضاء الإنجاز الملموس؛ تجربة المجلس القومي للمهن الطبية والصحية عبر نوافذه الخارجية خلال هذه الأزمة العاصفة.
إن الحديث عن التحول الرقمي والأنظمة الإلكترونية يظل حديثاً عن «الأدوات والقنوات»، بينما تكمن الروح الحقيقية في الفكر الإداري المرن والقدرة على التفكير خارج الصندوق. وحينما انقطعت السبل بالداخل، لم يقف المجلس مكتوف الأيدي أمام تشتت عشرات الآلاف من كوادره في المهاجر، بل تحرك برؤية استراتيجية ثاقبة، مستنداً إلى نوافذه الخارجية المقننة بالتنسيق مع السفارات والجهات الرسمية، ليحقق جملة من المكاسب غير المسبوقة.
أولاً: الإحاطة الشاملة وتذليل العقبات
في وقت عمّت فيه الفوضى الإجرائية بسبب الحرب، استطاع المجلس عبر نوافذه الخارجية حصر ممارسيه في دول الشتات والإحاطة الشاملة بأوضاعهم المهنية. هذا الوجود الميداني أتاح تذليل الصعوبات النظامية والبيروقراطية، فكانت تلك النوافذ طوق نجاة مهنياً سرّع إجراءات التوثيق واستخراج شهادات الوضع المهني دون إبطاء، وحمى المسارات المهنية من الانقطاع.
ثانياً: رفع الكفاءة التنافسية في سوق العمل الدولي
لم يقتصر دور النوافذ على تسهيل الإجراءات، بل أسهمت في تعزيز القدرة التنافسية للكوادر الوطنية في سوق العمل الإقليمي والدولي. وتحت الغطاء القانوني والاعتماد المؤسسي السريع الذي وفرته هذه النوافذ، تمكن الاختصاصيون والتقنيون من انتزاع مواقعهم المستحقة في كبرى المنشآت الصحية بالمهاجر بكفاءة وموثوقية عالية.
ثالثاً: ربط العقول وتوطين التدريب المستمر
بتفكير استراتيجي متقدم، تحولت النوافذ إلى جسر لربط العقول المهنية في الخارج ببعضها وبالوطن. ومن خلال شراكات مهنية ذكية مع مؤسسات دولية وإقليمية، نجح المجلس في توفير فرص تدريبية نوعية وبرامج للتعليم الطبي والصحي المستمر، مما حافظ على تحديث مهارات الكوادر وصون «الكتلة الحرجة» التي ستقود نهضة القطاع الصحي مستقبلاً.
رابعاً: الرافد الاقتصادي وسند الدولة
ولأن الشراكة تقوم على العطاء المتبادل، فقد أثمرت هذه الجهود حصاداً اقتصادياً كبيراً. إذ أسهمت المعاملات المهنية الميسّرة في ضخ مبالغ مقدرة من العملة الحرة لصالح خزينة الدولة. لم تكن تلك التدفقات مجرد رسوم، بل مساهمة وطنية معتبرة دعمت الاقتصاد الوطني في أحلك الظروف، وأثبتت أن الاستثمار في الكوادر هو استثمار في الدولة نفسها.
بين التوثيق والشهادة من داخل التجربة
وبرغم أن شهادتي قد تبدو مجروحة بحكم موقعي الوظيفي داخل المجلس، فإنني أكتب هذا التوثيق من واقع تجربة كنت جزءاً أصيلاً من تفاصيلها، ومع كوكبة من قياداته ومجلسه، وتحت قيادة حكيمة مثّلها البروفيسور محمد الفاضل ود زكي وبقية العقد الفريد من رجالاته. إنها تجربة تستحق أن تُؤرَّخ، لا مجاملةً ولا تزييناً، بل لأنها كانت عملاً حقيقياً في قلب العاصفة، عملاً نستطيع أن نقول عنه بثقة: نعم… كنا هناك. كنا نعمل، ونبتكر، ونفتح النوافذ حين أُغلقت الأبواب، ونصنع المسار المهني حين تاهت الطرق. وهذه شهادة للتاريخ، لأنها تجربة وطنية تستحق أن تُحفظ في سجل النهضة القادمة.
الحلقات الناقصة ودعوة للمساندة
وبرغم هذا النجاح المشهود، ما زالت التجربة بحاجة إلى تجويد مستمر وضمان ديمومتها. إن اكتمال «حلقات المشهد الناقصة» يتوقف على استجابة وزارتي المالية والخارجية؛ فالأمر يتطلب مرونة أعلى في الإجراءات المالية، وتسهيلات بروتوكولية أوسع من البعثات الدبلوماسية، لتعميم هذه التجربة الرائدة وتطبيقها كنموذج إداري موحد على بقية المجالس المهنية والهندسية والتعليمية بالخارج.
مفتاح المدى..
إن ما حققه المجلس القومي للمهن الطبية والصحية عبر نوافذه الخارجية خلال هذه الأزمة هو تجسيد حي لتحويل المحنة إلى منحة، وبرهان على أن الأوطان لا تُبنى بالمسكنات بل بالرؤى الشاملة. لقد ردت الكوادر الصحية والطبية الجميل لوطنها عرقاً وفكراً وعملةً حرة، وبقي على وزارات السيادة أن تلتقط القفاز، وتساند هذه التجربة لتكتمل ملامح النهضة، ويصبح المغترب – بحق – شريكاً أصيلاً في صياغة مستقبل الوطن واستقراره.
ونواصل…

