محمد هارون عمر يكتب: أفق التوقعات بالنسبة إلى مستقبل السودان

وهج اليراع
محمد هارون عمر
دفع الشعب السوداني ثمنًا غاليًا لأخطاء الساسة منذ فجر الاستقلال، مدنيين وعسكريين. وكان أفدح الثمن متمثلًا في حرب جنوب السودان، وجنوب النيل الأزرق، وجبال النوبة. أما الحرب الحالية، فهي قمة إخفاق الساسة في إخماد نار الحروب.
فبعد الاستقلال، طالب الجنوبيون بالحكم الاتحادي (الفيدرالي)، ثم وقّع الساسة على حق تقرير المصير في نيفاشا عام 2006م، ومن ثم تمّ الانفصال عام 2011م.
ثم توالت الأخطاء، ومنها تكوين عدة جيوش، وقوات الدفاع الشعبي، ثم قوات الدعم السريع، إلى أن وصلنا إلى هذه الكارثة. وبرز عصر انفجار المليشيات القبلية التي تمثل سرطانًا في جسد الوطن، وهي تهدد بسيناريو الدعم السريع.
ولا حلّ غير الحوار لتجنيب البلاد الانهيار والانشطار الثالث. فالحرب الحالية مؤشر إلى تشظّي السودان، إذا لم يتم تدارك خطرها بالحوار الجاد والمثمر.
هذه الحرب ضد الديمقراطية، وهي مذبحة ومحرقة ومقصلة ستعيد سيناريو الشمولية، والدليل الانقلاب على الثورة وفرم مستقبل الديمقراطية بحجة توسيع قاعدة المشاركة عام 2021م.
ثم ظهرت حقيقة الدعم السريع، فتنصّل عن الانقلاب بحجة هيمنة «الكيزان» وأنهم خدعوه. والحقيقة أنه لم يجد السلطة المطلقة التي كان يهفو ويرنو إليها. وتضاءل وانحسر نفوذه بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، فاستعر الخلاف والصراع حول السلطة حتى اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023م.
إنها حرب حصدت الأنفس، وقضت على الحرث والنسل، ومهّدت لهذا التدخل الأجنبي الخبيث الذي سمّم رئة الوطن. فقد أجّج المتدخلون الصراع من أجل مصالحهم، فالسودان دولة غنية بالموارد والمواقع والمعادن والثروة الحيوانية والزراعية والمائية، وهي ثروات يسيل لها لعاب قارون.
ثم إن في الداخل تكوينات ترفض التعدد وتتوق إلى الشمولية المطلقة تارة أخرى، وتقصي الآخرين، وتهفو إلى الاستئثار بنعيم الوطن وقمع الآخرين.
لقد ضاقت الأرض بما رحبت جراء العنف والبطش والزلزلة والموت. ومعظم الشعب يرنو إلى السلام، فالسلام تكلفته أقل وأسرع، بينما الحرب مشوار طويل ومرهق ومُفْنٍ ومُفَقِّر ومُشَرِّد ومُزْدَحِف بالنزوح، بعد أربع سنوات من الهلاك.
والطامعون الآن يصطادون في الماء العكر، بالتبرع بالسلاح المجاني لفناء السودانيين. وكل الحيثيات والمؤشرات تقول: ما أقصر عمر الحرب في عامها الرابع!
ستضع الحرب أوزارها، رضي من رضي وأبى من أبى. هذا هو منطق التاريخ. والذين يقولون بخلاف ذلك فهم واهمون. ستفضي هذه الحرب إلى سلام دائم؛ لأن وقودها قد نفد.
والذين يسبحون عكس التيار حتمًا ستطويهم لججه. فالحرب استهلكت الموارد، واستنزفت القوتين وأنهكتهما.
ولا مناص من الحوار الوطني الشامل من أجل دولة موحدة ذات جيش واحد، ودستور تعددي يضمن الحرية للجميع، ويقرّ التداول السلمي للسلطة، ويحترم حقوق الإنسان.
كما ينبغي تذويب المليشيات بتحويلها إلى أحزاب سياسية مدنية، وضم الشباب إلى الجيش، وتسريح غير المؤهلين. ولا بد من جيش قوي بعقيدة راسخة، أهمها الدفاع عن الوطن والنأي عن السياسة، والانصراف إلى حماية البلاد والدفاع عنها دون تحيز لأي فئة.

