مجدي عبد القيوم (كنب) يكتب: عندما تصبح قضية التهميش تبريراً للجريمة

كبسولة اليوم
كتب/ مجدي عبد القيوم (كنب)
أن تنحاز قبلياً وأنت تدّعي أنك مثقف، فالأحرى أن تبحث لك عن جلباب يناسب ضيق أفقك، وتعود إلى مضارب (غزية)، وتنيخ راحلتك؛ فلا مكان لك بين منابر الوعي.
عندما تتحول قضية التهميش عندك، وفكرة الصراع بين المركز والهامش، إلى آلية لتبرير العنف والجريمة بكافة أشكالها، ابتداءً من الاغتصاب وانتهاءً بالقتل، ينبغي أن تتوقف وتعيد قراءة الواقع من حولك.
كثير من الذين يعتبرون أنفسهم مثقفين انحازوا إلى المليشيا على أساس قبلي، وإن تدثروا بقناع المدنية المفتَرَى عليها، أو محاربة الإسلاميين التي باتت كأنها شرطاً وجوبياً في طقوس تعميد «الثوار»، مع أن مفهوم الثورة أعمق بكثير من هذا التسطيح الذي يختزلها في موقف سياسي من نظام، أياً كان.
ندرك جيداً أن النزعة الجهوية والقبلية أمر مفهوم بالنظر إلى السياق التاريخي لبلادنا، ولكن الذي لا شك فيه أن الوعي هو العاصم من الانزلاق في هذا الوحل، وأنه ينبغي على المثقف المساهمة في انتشال مجتمعه من وهدة هذا التخلف، لا التماهي معه.
الغريب أنهم يعرفون أن هذه المليشيا، وعلى بؤسها، ليس لديها أي مشروع سياسي، فهي مجرد حصان طروادة لمشروع دولي يبتغي تفكيك الدولة وابتلاعها.
ويعلمون كذلك أن الطريق إلى الدولة المدنية لا يمر عبر تخريب البنية التحتية للدولة، ولا بنهب ثرواتها المختلفة، بما فيها آثارها ورموز حضارتها التليدة، وأن الديمقراطية المزعومة لا تختفي تحت سراويل العذارى حتى يكون الاغتصاب الممنهج أحد آليات البحث عنها.
ومن المؤكد كذلك أنهم يعرفون أن الدولة المدنية التي يتمشدقون بشعاراتها هي دولة قانون لا تتسامح مع الجريمة في أدنى مستوياتها، دعك عن جرائم تتار العصر هذه، لكنها العصبية القبلية.
هؤلاء ظلوا يمارسون الابتزاز السياسي على الذين ينتقدون الجرائم البشعة التي ظلت سلوكاً ممنهجاً لدى المليشيا، أو ارتباطاتها بأعداء البلاد، أو سعيها الدؤوب لتجزئة البلاد لصالح مشاريع قوى إقليمية ودولية، وظلوا يصفون هذا النقد بالعنصرية والجهوية، وكأنهم يمارسون الإسقاط حتى يتصالحوا مع ذواتهم المريضة.
صحيح أن هذا السلوك لا يمكن تعميمه، لكنه السمة الغالبة، مع أن هذه المليشيا نفسها، وأغلب قوام جندها، لا علاقة لهم ببلادنا، فهي تحتشد بالمرتزقة من أفريقيا، وليس انتهاءً بأمريكا الجنوبية.
الجريمة لا قبيلة لها، والسلوك الإجرامي لا يقتصر على إثنية محددة، فهو انحراف سلوكي للنفس البشرية أياً كانت.
صحيح أن هناك محفزات اجتماعية، كأنساق أو عادات، تسهم في تغذية السلوك الانحرافي، لكنها قطعاً ليست من سمات المجتمعات المتمدنة.
ومن المؤكد أن هذا التناقض بين النظرية والسلوك ليس مقتصراً على إثنية محددة أو جهة بعينها، لكنه مقتضى السياق، ومع ذلك فإنه ينسحب على الكثيرين من الذين يرفعون لواء القبلية والجهوية، ويؤججون نيران الفرقة بين أبناء الوطن، أو حتى بين مكونات إقليم من الأقاليم.
سنظل في صف مناهضة القبلية والجهوية والعشائرية على إطلاقها، وفي خندق دعاة الحداثة والوعي والارتقاء بالمجتمعات، ولن يثنينا ابتزاز، ولا تخيفنا مفردات قاموس الجهل، فقد مضينا طويلاً في هذا الدرب الوعر، شائك المسلك، ولن نحيد عنه ما دامت الإنسانية هي بوصلتنا التي نهتدي بها.

