المشرقة» تتحدى الحرب من كوستي: خسائر بملايين الدولارات وطاقة إنتاجية تصل إلى 50 طناً يومياً

تقرير/ خالد الفكي
في وقت ألحقت فيه الحرب أضراراً واسعة بالبنية الصناعية في السودان، وأجبرت منشآت عديدة على التوقف أو تقليص نشاطها، اختارت مجموعة مصانع «المشرقة» تحويل مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض إلى قاعدة لاستمرار الإنتاج والتوسع، بعد أن تكبدت خسائر تقدر بملايين الدولارات في منشآتها بالخرطوم. وبينما فقدت المجموعة مواد خام ومنتجات وآليات ومخازن، من بينها ما لا يقل عن 500 طن من الطحينية، واصلت مصانعها العمل، مستندة إلى قوة عمالتها وتعدد خطوط إنتاجها، بطاقة تصل إلى 50 طناً يومياً.
وقال المدير العام لمجموعة مصانع المشرقة، المهندس محمد الصديق عبد الله محجوب، إن المجموعة تكبدت خسائر كبيرة جراء الحرب في فرع «الباقير» بالخرطوم ومخازنها في الخرطوم بحري، شملت مواد خام ومنتجات وآليات وعربات توزيع، إضافة إلى كميات كبيرة من المنتجات المخزنة.

وأوضح محجوب، في تصريحات صحفية للوفد الإعلامي الزائر لولاية النيل الأبيض، برفقة مفوض الاستثمار بالولاية عبد الله إسماعيل والمستشار الصحفي لوالي النيل الأبيض الحاج أحمد المصطفى، أن الخسائر شملت مدخلات إنتاج من الزيوت والبسكويت وماكينات وعربات توزيع، فضلاً عن ما لا يقل عن 500 طن من الطحينية كانت مخزنة في الخرطوم بحري.
ورغم هذه الخسائر، أكد أن المجموعة تمكنت من الحفاظ على استمرار الإنتاج والتوسع في نشاطها الصناعي بمدينة كوستي، باعتبارها إحدى القواعد المهمة لاستمرار الصناعات الغذائية والتحويلية خلال الحرب.

كوستي.. قاعدة للصمود الصناعي
بدأت مجموعة مصانع المشرقة نشاطها في مدينة كوستي عام 2007، وفق مواصفات ومعايير عالمية، وهو ما مكّنها، بحسب محجوب، من الحصول على خمس شهادات «آيزو» دولية.
وقال إن المجموعة تنشط في عدد من الصناعات الغذائية والتحويلية، وإنها عملت خلال فترة الحرب على توسيع قاعدة إنتاجها في كوستي، مضيفاً أن التوسع شمل إنشاء مصانع لإنتاج الكرتون والبسكويت والطحينية والبلاستيك.

وتشغّل المجموعة حالياً نحو 570 عاملاً في كوستي، بينما تتراوح الطاقة الإنتاجية لمجمعاتها الأربعة بين 40 و50 طناً يومياً، في مؤشر على استمرار النشاط الصناعي رغم الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد والنقل والأسواق.
وقال محجوب إن ارتباط المجموعة بالعاملين والتزامها تجاه البلاد شكّلا دافعاً أساسياً لمواصلة العمل، مؤكداً أن الظروف الاستثنائية لم تثنِ الإدارة عن الحفاظ على الإنتاج والعمالة.
وأضاف: «رغم المشكلات نسعى إلى تقديم منتج غذائي يشرف الاقتصاد والبلاد»، مشيراً إلى أن المجموعة تستهدف المستهلك المحلي، ولا سيما محدودي الدخل، من خلال تقديم منتجات ذات جودة عالية وتوفير قنوات توزيع محلية وخارجية.
الحرب تكشف مخاطر تمركز الصناعة
يرى محجوب أن الحرب كشفت بوضوح مخاطر تمركز الجزء الأكبر من النشاط الصناعي في العاصمة، قائلاً إن تداعيات توقف المصانع والمنشآت في الخرطوم امتدت إلى قطاعات حيوية، بينها الغذاء والدواء والتعليم.
وقال إن ربط قطاعات اقتصادية وخدمية أساسية بالعاصمة جعل تأثير الحرب أكثر اتساعاً، داعياً إلى إعادة النظر في خريطة توزيع النشاط الصناعي والاستثمار في الولايات التي تمتلك مقومات الإنتاج.
وشدد على ضرورة منح الصناعات الوطنية أولوية أكبر، باعتبارها رافداً للإنتاج المحلي ومورداً لخزينة الدولة، فضلاً عن دورها في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الواردات وفتح أسواق للتصدير.

ودعا إلى توفير بنية تحتية جاذبة للاستثمار، خاصة في قطاع الطرق والنقل، مشيراً إلى أن المجموعة تواجه صعوبات في نقل منتجاتها إلى الولايات الأخرى، وتتفاقم المشكلة خلال موسم الخريف بسبب تدهور الطرق.
سعر الصرف يضغط على الصناعة
ويضع محجوب تذبذب سعر الصرف في مقدمة التحديات التي تواجه الصناعات المحلية، موضحاً أن جانباً كبيراً من مدخلات الإنتاج يُستورد بالعملات الصعبة، الأمر الذي يرفع تكاليف التشغيل ويؤدي إلى تآكل رأس المال.
وقال إن التحديات لا تقتصر على سعر الصرف، وإنما تشمل ارتفاع تكلفة استيراد المواد الخام، واللوجستيات والترحيل، وضعف جاهزية البنية التحتية، إضافة إلى تقلبات سعر الدولار الجمركي.
وطالب الدولة بوضع خطة واضحة لتحقيق الاستقرار في سعر الصرف والدولار الجمركي، باعتبار أن استقرار تكلفة المدخلات يمثل عاملاً حاسماً لاستمرار الصناعة وقدرتها على التخطيط والإنتاج والمنافسة.
وأضاف أن الصناعة تمثل أحد القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب الشباب والحد من البطالة، وبالتالي الإسهام في تخفيف الضغوط الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية والأمنية.

وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية واللوجستية دفعت بعض رجال الأعمال إلى نقل أنشطتهم الصناعية إلى الخارج، مؤكداً أن القطاع الصناعي يحتاج إلى دعم حكومي ومجتمعي لاستعادة عافيته وتعزيز قدرته التنافسية.
من السوق المحلي إلى المنافسة الخارجية
وفي موازاة استمرار الإنتاج، تعمل مجموعة المشرقة على توسيع حضورها في الأسواق المحلية والخارجية، مع خطط لتحديث المصنع ومنافذ التوزيع ومجمعات المجموعة في السودان والقاهرة.
وقال محجوب إن منتجات المجموعة وجدت رواجاً وإقبالاً من المستهلكين، وإن الإدارة تستهدف تطوير قنوات التوزيع والوصول إلى أسواق جديدة، مع الحفاظ على مستوى الجودة.
وأضاف أن المجموعة شاركت في سبعة معارض دولية، ما أسهم في تعزيز حضورها خارجياً وفتح قنوات جديدة للتسويق والتواصل مع الأسواق العالمية.
وأكد أن المجموعة ماضية في خطط التوسع في الصناعات الغذائية والتحويلية، بالتوازي مع الحفاظ على العمالة واستمرار الإنتاج، رغم تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف التشغيل وتحديات النقل والبنية التحتية.

وتقدم تجربة «المشرقة» في كوستي نموذجاً للصناعة السودانية التي تحاول إعادة ترتيب مواقعها بعيداً عن مركزية الخرطوم، وتحويل تداعيات الحرب من عامل للتوقف إلى حافز لإعادة توزيع الإنتاج وتوسيع القاعدة الصناعية، في وقت لا يزال فيه استقرار سعر الصرف والبنية التحتية وتوفير مدخلات الإنتاج يمثل اختباراً رئيسياً لقدرة القطاع على التعافي والمنافسة.

