تقاريرحوارات ومقالاتقضايا ومحاكم

مودة شاهين تكتب: طلاب الجامعات يحملون ندوب الحرب في الحقائب

 

 

 

كتبت/ مودة شاهين

 

طالبٌ عاد متطلعًا ليتفقد جامعته، وقاعة محاضراته، ومقعده الذي فارقه قبل ثلاثة أعوام. عاد مثقلًا بالماضي ، يتلفت بين المباني، وعيناه تبحثان عمّا بقي، وعما تبدل. وهو بين لعل وعسي بين ما سَلِم وما لم يسلم وبين البينيين عوالم من الخوف، وانعدام الأمان، والترقب، و

انتظار أن يحمل شهادة تخرجه، وأن يضع أوزار الحرب خلفه. لكن طريق ذهابه إلى الجامعة لم يعد هو طريق عودته منها، تغير المكان و الإنسان فهناك فرق كبير بين الطالب الذي غادر جامعته قبل الحرب، مهزوما مقهورا والطالب الذي عاد إليها بعد ثلاث سنوات، يحمل من الهموم ما يفوق ما تحمله حقيبته من كتب.

أصرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على مباشرة الطلاب دراستهم داخل جامعاتهم اعتبارًا من شهر أغسطس، وفك الارتباط بالمراكز الخارجية. لا اعتراض على القرار، فهو ينسجم مع تطلعاتنا و توجه الدولة نحو عودة المواطنين وإعادة الإعمار، وعودة المؤسسات إلى مقارها الطبيعية.

لكن، وفي خضم الحديث عن المباني والقاعات والمدرجات، نسينا أن نسأل السؤال الأهم: هل أعددنا الطالب نفسه لهذه العودة؟

ثلاث سنوات من الحرب لم تمر على هؤلاء الشباب مرورًا عاديًا. فقد احتكوا بواقع لم يكن يومًا جزءًا من حياتهم. بعضهم فقد والده، وبعضهم أصبحت والدته تصارع المرض وقسوة الحياة، وآخرون اضطروا للعمل لإعالة أسرهم، فيما عاش كثيرون مرارة النزوح، والخوف، والجوع، وانقطاع الدراسة. لذلك فإن الطالب الذي سيجلس اليوم في قاعة المحاضرات ليس هو الطالب الذي غادرها قبل الحرب.

إن عودة الجامعات لا تعني فتح الأبواب فقط، بل تعني تهيئة البيئة التي تساعد الطالب على النجاح. فكيف سيدرس طالب يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه؟ وكيف يواصل تعليمه في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المواصلات والكتب والسكن؟ وكيف يستطيع ولي الأمر، الذي أنهكته الحرب، أن يتحمل كل هذه الأعباء دفعة واحدة؟

نحن نعلم أن الدولة ما زالت تواجه تحديات كبيرة، وأن مرحلة ما بعد الحرب ليست سهلة، لكن هذه المرحلة تحتاج إلى مسؤولين يملكون القدرة على ترتيب الأولويات، لأن إعادة الإعمار لا تعني بناء الجدران وحدها، بل تعني أيضًا ترميم الإنسان الذي أنهكته الحرب.

ومن هنا، فإن نجاح عودة الجامعات يتطلب خطوات عملية، منها إنشاء صندوق وطني لدعم الطلاب الأكثر تضررًا، وتقسيط الرسوم الدراسية بما يخفف العبء عن الأسر، وإعادة تأهيل الداخليات والمطاعم الجامعية، ودعم النقل الجامعي، وتشجيع القطاع الخاص ورجال الأعمال والمغتربين على الإسهام في دعم التعليم، إلى جانب توفير برامج للدعم النفسي والإرشاد الاجتماعي داخل الجامعات، حتى يتمكن الطلاب من تجاوز آثار الحرب واستعادة قدرتهم على التعلم.

إن الاستثمار في الطالب اليوم ليس عبئًا على الدولة، بل هو استثمار في مستقبل السودان. فكل جنيه يُنفق على التعليم هو حماية لوطن كامل، لأن الجامعة لا تخرج طلابًا فقط، بل تخرج أطباء ومهندسين ومعلمين وقادة سيقودون مرحلة البناء.

الحرب تركت ندوبها على وجوه الطلاب لذلك فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقف عند إعادة فتح أبواب الجامعات، بل تبدأ منها. فالطالب لا يحتاج إلى مقعد دراسي فحسب، بل يحتاج إلى من يعيد إليه الأمل، ويمنحه فرصة حقيقية ليكمل الطريق الذي أوقفته الحرب.

إذا كانت الحرب قد علمتنا كيف ندافع عن الوطن، فإن السلام يجب أن يعلمنا كيف نبنيه. وبناء الوطن لا يبدأ من الإسمنت والحديد، بل من عقل الطالب وكرامة المواطن. سيبقى قلمي منحازًا للمواطن، لاني خرجت من عباءة المواطن و لأن الوطن يبدأ من المواطن .

 

#السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي